المقريزي
56
إمتاع الأسماع
السريانيين ، يقال : ابن الكنعانيين ، وولد [ عليه السلام ] بكوثى ، وقيل : ولد بهرمزجرد ، ثم انتقل إلى كوثى من أرض بابل ، وأمه [ عليه الصلاة والسلام ] يونا بنت كرنيا بن كوثى ، من بني أرفخشاذ بن سام ، ويقال : بل اسمها أبيونا وأنها من ولد أفرام بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن أرفخشاذ . وكان أبوه ( 1 ) على أصنام الملك نمروذ ، ولسانهم السريانية ، وبينه عليه السلام ، وبين نوح [ عليه السلام ] عشرة قرون ، وولد ولأبيه من العمر سبعون سنة ، وخرج به أبوه بعد ما تزوج بسارة ، ومعه لوط فسكن حران ، وبها [ مات ] أبوه . وكان قد أراه الله تعالى ملكوت السماوات والأرض ، وكاد أصنام قومه ( 2 ) ، وحاجهم في إثبات الله تعالى ( 3 ) ، فألقوه في النار ، فصارت بردا
--> ( 1 ) عن مجاهد قال : آزر صنم ، ليس بأبيه ، وفي التوراة : " إبراهيم بن تارح " . وهذا قول مردود ، فقد قال تعالى : ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آذر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين ) [ الأنعام : 74 ] ، وهذا هو الحق . وقال بعضهم : آزر هو تارح ، وأحدهما اسم ، والآخر لقب ، وليس ببعيد . ( المرجع السابق ) . ( 2 ) أخذ إبراهيم قدوما وأتاها ليلا وكسرها وعلق القدوم على عنق صنم الشمس وهو أكبرها - حيث قد كانوا سموها بأسماء الكواكب - فلما رأوها قالوا : ( من فعل هذا بآلهتنا ) [ الأنبياء : 59 ] ، قال رجل منهم : سمعت إبراهيم يذكرها ، فأتوا إبراهيم فقالوا : من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ قال لهم : سلوا كبيرهم هذا ( إن كانوا ينطقون ) [ الأنبياء : 63 ] . ( المرجع السابق ) . ( 3 ) عن كعب الأحبار قال : رأى إبراهيم عليه السلام قوما يأتون نمروذ الجبار فيصيبون منه طعاما ، فانطلق معهم ، فكان مر بالنمروذ رجل قال له : " من ربك ؟ " قال : " أنت ربي " ، وسجد له إعظاما له ، فأعطاه حاجته ، حتى مر به إبراهيم فقال : من ربك ؟ قال : ( ربي الذي يحيي ويميت ) قال : ( أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ) [ البقرة : 258 ] ، وخرج إبراهيم ولم يعطه شيئا ، فعمد إبراهيم إلى تراب فملأ به وعاءه ودخل به منزله ، وأمر أهله أن لا يحلوه ، ووضع رأسه فنام ، فحلت امرأته الوعاء فإذا هو أجود دقيق رأت . ( المرجع السابق ) . وقال محمد بن إسحاق : حدثني أبو الأحوص بن عبد الله قال : خرج قوم إبراهيم إلى عيد لهم فمروا عليه فقالوا : يا إبراهيم ، ألا تخرج معنا ؟ قال : ( إني سقيم ) [ الصافات : 89 ] . وقد كان قبل ذلك قال : ( وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ) [ الأنبياء : 57 ] . فسمعه إنسان منهم فلما خرجوا إلى عيدهم انطلق إلى أهله فأخذ طعاما ثم انطلق إلى آلهتهم فقر به إليهم ( فقال ألا تأكلون * مالكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضربا باليمين ) [ الصافات : 91 - 93 ] فكسرها إلا كبيرا لهم ، ثم ربط في يده الفأس الذي كسر به آلهتهم . فجاهرهم عند ذلك وقال : ( أتعبدون ما تنحتون ) ؟ [ الصافات : 95 ] ، ( أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله ) [ الأنبياء : 66 - 67 ] . ( المرجع السابق ) . عن عكرمة في قوله تعالى ( قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) [ الأنبياء : 96 ] أن نار الدنيا كلها لم ينتفع بها أحد من أهلها ، فلما أخرج الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه السلام من النار زاده الله في حسنه وجماله سبعين ضعفا . وعن علي بن أبي طالب رضي الله تبارك وتعالى عنه قال : كانت البغال تتناسل ، وكنت أسرع الدواب في نقل الحطب لحرق إبراهيم عليه السلام فدعا عليها ، فقطع الله نسلها . وكانت الضفادع مساكنها القفار فجعلت تطفئ النار عن إبراهيم عليه السلام فدعا لها فأنزلها الله الماء ، وكانت الأوزاغ تنفث عليه النار فلعنها فصارت ملعونة ، فمن قتل منها أجر . ( المرجع السابق ) . وعن ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنه قال : لما ألقي بإبراهيم عليه السلام في النار قال : حسبي الله ونعم الوكيل . ( المرجع السابق ) . وقال الزبير بن بكار : حدثني عبد الرحمن بن المغيرة قال : لما رأى الناس أن إبراهيم عليه السلام لا تحرقه النار قالوا : ما هو إلا عرق الندى وما نعرفه ، ألا ترى ما تضره النار ولا تحرقه ؟ فسمي عرق الندى . ( المرجع السابق ) . وقال مقاتل : أول من اتخذ المنجنيق نمروذ ، وذلك أن إبليس جاءهم لما لم يستطيعوا أن يدنوا من النار التي أضرمها لرمي إبراهيم عليه السلام فيها ، فقال : أنا أدلكم ، فاتخذ لهم المنجنيق ، صنعه له رجل من الأكراد يقال له : هبون . وكان أول من صنع المنجنيق ، فخسف الله به الأرض ، وجئ بإبراهيم عليه السلام فخلعوا ثيابه وشدوا رباطه ، فوضع في المنجنيق ، فبكت السماوات ، والأرض ، والجبال ، والشمس ، والقمر ، والعرش ، والكرسي ، والسحاب ، والريح ، والملائكة ، كل يقول : يا رب عبدك إبراهيم بالنار يحرق ، فائذن لنا في نصرته ، فقالت النار وبكت : يا رب سخرتني لبني أدم ، وعبدك يحرق بي عليه السلام . فأوحى الله إليهم أن عبدي إياي عبد ، وفي جنبي أوذي ، إن دعاني أجبته ، وإن استنصركم فانصروه . فلما رمى استقبله جبريل عليه السلام بين المنجنيق والنار فقال : السلام عليك يا إبراهيم ، أنا جبريل ، ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، حاجتي إلى الله ربي . ( المرجع السابق ) . قال الله تعالى : ( يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) [ الأنبياء : 69 ] ، فلو لم يخلط بالسلام لآذاه البرد ، ودخل جبريل معه وإسرائيل ، وأنبت الله تعالى حوله روضة خضراء ، وبسط له بساط من درنوك [ بسط ] الجنة ، وأتى بقميص من حلل جنة عدن فألبسه ، وأجرى عليه الرزق غدوة وعشيا ( المرجع السابق ) . قال وهب : فلما رأوا الآية الباهرة ، آمن منهم بشر كثير فأتى الجمع إلى نمروذ فقالوا : إن إبراهيم قد استمال الناس ، وقد صبا إليه خلق كثير ، فجمع نمروذ وزحف ، يريد إبراهيم ومن معه ، فأوحى الله إلى إبراهيم : ارحل بمن معك ، فرفع بامرأته سارة وجميع من آمن به حتى بلغ مدين ، فنزل ، ونمروذ سائر بجموعه خلفه ، فأرسل الله عليهم جندا من البعوض فأعمى أعين الدواب ، ودخل خياشيم الرجال حتى ماتوا ، وأبقى الله نمروذ ، وقد دخلت خيشومه بعوضة فسكنت دماغه حتى كان أحب الناس إليه من ضرب رأسه ليكف عنه أكل البعوض . ثم هلك بعد ذلك . ( المرجع السابق ) .